كتب : المحرر السياسي
ملف تجنيس السوريين والأردنيين في العراق من أكثر القضايا الحساسة التي تثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية، نظراً لارتباطه المباشر بالهوية الوطنية والأمن القومي. في السنوات الأخيرة برزت معلومات وشهادات عن عمليات منح الجنسية العراقية لعدد من السوريين والأردنيين بعد حصولهم على البطاقات الوطنية الموحدة عبر إجراءات مشبوهة داخل بعض الدوائر الرسمية، لا سيما مديريات الإقامة والجنسية
.
القضية لا تتعلق بمجرد خطأ إداري أو حالات فردية، بل تُطرح كملف واسع النطاق يضم شبكات تزوير متداخلة شارك فيها موظفون وضباط ومسؤولون، حيث جرى إصدار هويات مدنية وبطاقات وطنية مزورة مقابل رشى مالية كبيرة أو بغطاء سياسي. هذه البطاقات كانت بمثابة المدخل القانوني للحصول على صفة "المواطن العراقي"، وهو ما يعني تلقائياً التمتع بكامل الحقوق الدستورية من الإقامة الدائمة إلى حق الانتخاب والترشح وتملك العقارات، الأمر الذي يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية وسياسية خطيرة.
في محافظة الأنبار، خصوصاً قضاء القائم، تركزت الشبهات حول إصدار معاملات مدنية لأعداد كبيرة من السوريين الذين دخلوا العراق خلال فترة النزوح جراء الحرب، بعضهم من عوائل مرتبطة بعناصر إرهابية أو أشخاص منتمين لداعش. تم تسجيلهم على أنهم عراقيون بالولادة أو عبر وثائق زواج وولادات مزورة، فيما انتقلت العدوى إلى محافظات أخرى مثل نينوى وصلاح الدين وبغداد. هذه العمليات لم تقتصر على السوريين فقط بل شملت أيضاً أردنيين دخلوا العراق بصفات مختلفة ثم حصلوا على هويات عراقية.
التداعيات المترتبة على هذه الظاهرة بالغة الخطورة، فهي تمس التوازن الديمغرافي في المناطق الحدودية وتشكل خطراً أمنياً إذا ما اندسّ إرهابيون أو مطلوبون داخل المجتمع العراقي بوثائق رسمية، فضلاً عن البعد السياسي المتمثل في إمكانية استغلال هذه الكتلة المجنّسة انتخابياً لخدمة أجندات محددة. كما أن إدخال أسماء وهمية أو عناصر غير عراقية في سجلات "الشهداء والضحايا" يمثّل عملية تزييف للتاريخ وابتزازاً لمؤسسات الدولة.
الحكومة العراقية أعلنت في أكثر من مناسبة فتح تحقيقات وإحالة ضباط وموظفين إلى القضاء بعد اكتشاف هذه الخروقات، وأكدت وزارة الداخلية أنها تعمل على إلغاء البطاقات المزوّرة ومراجعة القيود التي صدرت بطرق غير قانونية. ومع ذلك يبقى الملف معقداً ويحتاج إلى معالجة جذرية تشمل تطهير المؤسسات المعنية من الفساد، وتدقيق قواعد البيانات الوطنية، وإيجاد آليات رقابة صارمة على عمليات منح الجنسية.
الجدل حول هذا الموضوع ما زال مفتوحاً، بين من يرى أن القضية "مؤامرة لتغيير الهوية العراقية" وبين من يعتبرها نتيجة طبيعية لسنوات من الفوضى والفساد الإداري. لكن المؤكد أن ملف التجنيس غير الشرعي للسوريين والأردنيين في العراق أصبح أحد أبرز التحديات أمام الدولة، لما يحمله من انعكاسات أمنية واجتماعية وسياسية تهدد وحدة البلاد واستقراره.