مع اقتراب ذكرى أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، يتحول العراق إلى لوحة إنسانية نابضة بالألوان المشرقة للعطاء والكرم، حيث تمتد مواكب الخدمة على طول الطرق المؤدية إلى كربلاء المقدسة كأشرطة من الخير تتزين بها المدن والقرى. ومن أقصى الجنوب إلى قلب العاصمة بغداد، وصولاً إلى أطراف الشمال، ينتشر العراقيون على جانبي الطرقات، يمدون أيديهم بالطعام والشراب، ويعرضون المبيت والاستراحة على الزائرين بلا مقابل، بل بروح مفعمة بالحب والاحترام.
هذا الكرم ليس حكرًا على الميسورين، فالفقراء يشاركون بما يملكون، حتى وإن كان قليلًا، مؤمنين بأن خدمة زائر الحسين هي شرف يتجاوز حدود المال. نرى من يطبخ القدور الكبيرة من الطعام، ومن يغسل ملابس الزائرين، ومن يوزع الماء البارد والعصائر، بل وحتى من يوفّر خدمات الطبابة والإسعاف الفوري، في مشهد يُجسّد أروع صور الإيثار والتكاتف الاجتماعي.
وتزداد هذه المظاهر بروزًا أمام الزائرين الأجانب الذين يأتون من مختلف القارات، إذ يجدون أنفسهم في ضيافة شعب يفتح قلبه قبل بيته، ويعامل الغريب كما لو كان فردًا من عائلته. هذا الترحاب الصادق يصنع انطباعًا لا يُنسى، ويجعل من زيارة الأربعين حدثًا إنسانيًا عالميًا، تتجلى فيه القيم الإسلامية والإنسانية بأبهى صورها.
إن ما يقدمه العراقيون خلال هذه الأيام ليس مجرد خدمة لوجستية لجموع الزائرين، بل هو رسالة للعالم بأن العراق، رغم كل التحديات، ما زال أرض الكرم والمروءة، وأن حب الحسين عليه السلام هو شعلة تجمع القلوب وتوحد النفوس على دروب الخير.