بقلم: المحرر السياسي
في الجنوب، حيث كانت تُزرع الحياة وتُحصد الحضارة، يُسجَّل اليوم مشهد مؤلم: نهر الفرات، الذي لطالما كان شريان العراق وركيزة هويته الزراعية والتاريخية، يُحتضر بصمت.
منذ عقود، ونحن نُحذِّر من أزمة مائية قادمة، لكنّ أحدا لم يكن يتخيل أن نصل إلى اللحظة التي يجف فيها الفرات، أو يتحوّل إلى جدول ضحل في بعض مناطقه.
لقد بات الجفاف اليوم حقيقة لا يمكن إنكارها، والمشهد أكثر من مجرد انخفاض في منسوب المياه:
إنه تحوُّل جيوسياسي خطير، وصراع صامت على الوجود.
بناء دول المنبع السدود وتحكّمها بتدفق المياه إلى العراق دون اتفاقيات ملزمة أو احترام للحقوق التاريخية، ليس أمرا سهلا يمكن غض الطرف عنه..
فيما يغيب التخطيط الاستراتيجي، وتُترك الموارد المائية عرضة للهدر، والتجاوزات، والفساد، وسوء الإدارة.
ويدفع المواطن الثمن من زرعه ومائه ولقمة عيشه.
فالجفاف بفعل التغير المناخي أمرٌ عالمي. لكن ما يحدث في العراق تحديدا هو جفاف سياسي وإداري قبل أن يكون مناخيا.
نحن أمام غياب واضح للدور الدبلوماسي الفاعل، وفقدان أدوات التأثير الإقليمي، وتراجع سياسات التخطيط والإدارة المائية.
إن استمرار هذا النهج يعني شيئا واحدا فقط: أنّنا نسير بخطى ثابتة نحو كارثة وطنية، قد تُحيل “أرض السواد” إلى أرض قاحلة، وتدفع بموجات هجرة داخلية خطيرة من الريف إلى المدن، وتُفاقم من نسب الفقر والبطالة، وتُفقد العراق واحدة من أعظم ميزاته: هويته الزراعية التاريخية.
لا بد من وقفة وطنية، تبدأ من تحرك حكومي عاجل، وصولا إلى تشكيل جبهة دبلوماسية متخصصة بملف المياه، تعمل على:
• تدويل القضية،
• مراجعة الاتفاقات مع دول الجوار،
• فرض معايير عادلة لتوزيع المياه،
• وإعادة هيكلة ملف إدارة الموارد المائية في الداخل.
كما يجب إعادة الاعتبار للمزارع العراقي، ودعمه بأدوات حديثة للري، وتطوير البنى التحتية المائية المتهالكة، والحد من كل أشكال الفساد والتجاوزات.