كتب: المحرر التقني
لا يمكنُ استثناءُ العراقِ من رياحِ التغييرِ الرقميِّ التي تعصفُ بالعالم، ولا يُمكنُ إنكارُ التحولاتِ التي تُعيدُ رسمَ المشهدِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ وحتى المهنيِّ عبرَ المنصاتِ الرقمية. فالأرقامُ الصادرةُ عن مركزِ الإعلامِ الرقميِّ (DMC)، تُؤكدُ أنَّ العراقَ ليسَ بمنأى عن هذا الإعصارِ الرقميِّ الذي يُعيدُ تشكيلَ سلوكِ المستخدمينَ وأنماطِ استهلاكِهم للمحتوى.
فوفقًا لأحدثِ التقاريرِ، بلغَ عددُ مستخدمي مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِّ في العراقِ 34.3 مليون مستخدمٍ في عام 2025، أي ما يُعادلُ 73.8% من إجمالي عددِ السكان. رقمٌ يكشفُ عن تسارعِ الاعتمادِ على هذه المنصاتِ كوسيلةٍ للترفيهِ والتواصلِ والتعبيرِ عن الآراءِ، ومتابعةِ الأخبارِ، وحتى كأداةٍ اقتصاديةٍ تُعيدُ تعريفَ التجارةِ والأعمالِ الرقمية.
تيك توك يتقدمُ بخطواتٍ ثابتة… والمحتوى القصير يفرضُ قواعده
منصةُ تيك توك كانت الرابحَ الأكبرَ في هذا المشهدِ المتغير، حيثُ استطاعت أن تُضيفَ 2.35 مليون مستخدمٍ جديدٍ خلال عامٍ واحد، لترتفعَ أعدادُ مستخدميها إلى 34.3 مليون. لا يعودُ هذا النموُّ المتسارعُ إلى الصدفةِ، بل إلى قدرةِ المنصةِ على جذبِ المستخدمينَ بمحتوى تفاعليٍّ قصيرٍ وسريعٍ يناسبُ إيقاعَ العصرِ، ويُلائمُ اهتماماتِ الأجيالِ الجديدةِ التي تبحثُ عن محتوى بصريٍّ مكثفٍ ومباشر.
يوتيوب يتراجع… والفيديو الطويل يفقدُ بريقه
في المقابل، شهدَ يوتيوب انخفاضا في عددِ مستخدميه، حيث تراجعَ الرقمُ من 22.8 مليونًا في عام 2024 إلى 22.3 مليونا في عام 2025. تراجعٌ يكشفُ عن تحوّلٍ واضحٍ في تفضيلاتِ الجمهورِ، الذي باتَ ينجذبُ إلى المحتوى القصيرِ والتفاعليِّ أكثرَ من المقاطعِ الطويلةِ التي تتطلبُ وقتا أطولَ في المشاهدةِ والانتباه.
فيسبوك وماسنجر… منصاتٌ تفقدُ سحرَها
لم يكن يوتيوبُ الوحيدَ الذي خسرَ ح من جمهورهِ، فحتى فيسبوك وماسنجر، المنصتانِ اللتانِ كانتا لعقدٍ من الزمنِ في طليعةِ وسائلِ التواصلِ، تشهدانِ تراجعا مستمرا. فالأجيالُ الجديدةُ تبتعدُ عنهما، وتُفضلُ منصاتٍ أكثرَ تفاعلا وسرعةً في الاستجابةِ لمتطلباتِ المستخدمين.
لينكدإن يزدهر… والوعيُ المهنيُّ يتصاعد
على الجانبِ الآخر، لم يكن تيك توك وحدَهُ المستفيدَ من هذا التغيير، فقد سجلت لينكدإن ارتفاعاً كبيرا في أعدادِ مستخدميها، لتصلَ إلى 2.3 مليون مستخدم، بزيادةٍ قدرُها 400 ألف شخص خلال عامٍ واحد. ازدهارُ هذه المنصةِ يُعبرُ عن تنامي الوعيِ بأهميتها كأداةٍ للتواصلِ المهنيِّ والتوظيفِ، ويدلُّ على أنَّ المستخدمينَ العراقيينَ باتوا أكثرَ اهتماما ببناءِ شبكاتِ العلاقاتِ المهنيةِ عبرَ الفضاءِ الرقميِّ، بما يتيحُ لهم فرصا أوسعَ في سوقِ العمل.
تحولاتٌ تفرضُ واقعا جديدا
ما بينَ تقدمِ تيك توك، وتراجعِ يوتيوب وفيسبوك، وازدهارِ لينكدإن، يُعيدُ العراقيونَ تشكيلَ علاقتِهم بالعالمِ الرقمي، ويؤسسونَ لنمطِ استخدامٍ مختلفٍ عن السنواتِ الماضية. واقعٌ يُجبرُ صنّاعَ المحتوى، والشركاتِ، والمسوقينَ، وحتى المؤسساتِ الإعلاميةَ على إعادةِ التفكيرِ في استراتيجياتِهم، بما يُواكبُ هذه التحولاتِ المتسارعةِ، قبلَ أن يجدوا أنفسَهم خارجَ دائرةِ التأثيرِ في مشهدٍ رقميٍّ لا يرحمُ المتأخرين.