كتب: دكتور محمد عبيد
في ظل التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة، برزت مجالس المحافظات كآليات يُفترض منها أن تكون جسورًا بين السلطات التنفيذية والمواطنين، إلا أنها باتت اليوم تتحول إلى أدوات تُخدم مصالح القوى السياسية على حساب مصالح الشعب. كانت هذه المجالس، التي من المفترض أن تُعزز المشاركة المحلية وتساهم في تطوير الخدمات الأساسية، قد صُممت لتكون منصة للتواصل وتحديد أولويات التنمية في المحافظات، ولكن ما يشهده الواقع يثير تساؤلات جدية حول مدى التزامها بدورها الأصلي.
منذ تأسيسها، لاحظت الأعين تطور نمط العمل في هذه المجالس من كونها هيئة تُعبّر عن الآمال والتطلعات الشعبية إلى كيان مسيس يخضع لمدى النفوذ السياسي والتحالفات الشخصية. فبدلاً من أن تكون منصة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتنمية البنى التحتية، أصبحت القرارات تُتخذ في جو يشوبه الانحياز الحزبي والتوجه نحو تعزيز المراكز السياسية القائمة، مما أدى إلى إغفال الاحتياجات الأساسية للمواطن. هذا الواقع المأساوي أدى إلى خلق فجوة بين ما ينشده المواطن وما تُعلنه هذه الهيئات، إذ بات الشعب يرى نفسه مجرد رقعة في لعبة سياسية أكبر لا تهتم بمصالحه الحقيقية.
إن التلاعب بالهيئات المحلية لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة لسياسات طويلة الأمد تهدف إلى استغلال الهياكل القائمة لتعزيز السيطرة على الموارد واتخاذ القرارات بما يخدم مصالح القوى المسيطرة. فالمقاعد تُمنح بناءً على الانتماءات والتحالفات بدلاً من الكفاءة والجدارة، مما يحرم المجالس من التنوع الفكري والإبداع اللازم لمواجهة التحديات المعاصرة. وفي ظل هذا المناخ، يصبح من السهل تحويل كل قرار إلى خطوة في لعبة سياسية أكبر، تُرمي إلى تأمين مصالح شخصية وحزبية دون اعتبار للأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه القرارات على حياة المواطن.
ومن المؤسف أن هذا التحول أدى إلى إضعاف الثقة في النظام المحلي بشكل عام، إذ يرى المواطن أن القنوات المخصصة للتعبير عن آرائه ومطالبه قد أصبحت مجرد شعارات تتردد في المناسبات الرسمية دون أن تتجسد في سياسات ملموسة تحسن من واقع حياته. كما أن غياب الرقابة الحقيقية والشفافية في آليات العمل داخل هذه المجالس أسهم في تفشي ممارسات الفساد والمحسوبية، مما يخلق حالة من الإحباط واليأس لدى الشارع. في هذا السياق، يبدو أن الهيئات التي كان يُتوقع منها أن تكون منبرًا للتغيير أصبحت تخلد النظام القائم وتدعم استمرارية ممارسات منحازة تعكس انعدام الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح.
إن النقد الموجه لهذه المجالس ليس مجرد تعبير عن استياء شعبي، بل هو دعوة لإعادة النظر في الهيكل الإداري والسياسي الذي يُحكم بها النظام المحلي. يجب أن تُعاد صياغة معايير الاختيار والانخراط في هذه الهيئات بما يضمن استقلاليتها وشفافيتها، ويضمن أن تكون القرارات مبنية على أسس من العدالة والكفاءة بدلاً من الانتماءات الحزبية. لا شك أن تحقيق مثل هذه الإصلاحات يتطلب إرادة سياسية قوية وشجاعة من قادة الرأي والمؤسسات الرقابية، بالإضافة إلى مشاركة فعالة من المجتمع المدني الذي يطالب بحقوقه في المشاركة الحقيقية بعمليات اتخاذ القرار.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستشهد المجالس تحولًا حقيقيًا يحررها من قيود التلاعب السياسي ويعيد إليها روح الخدمة العامة؟ يبقى الأمل معلقًا على إمكانية إصلاح هذه الهيئات بحيث تعود لتكون وسيلة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الديمقراطية المحلية، لا أداة لاستغلال النفوذ السياسي وتضليل الشارع. حتى يتم تجاوز هذا الواقع المرير، سيظل المواطن يعيش في ظل نظام يخضع فيه مصلحته لأهداف قوى سياسية لا تعرف إلا البقاء على السلطة مهما كان الثمن.
#مجالس_المحافظات#انتخابات#بغداد_الاخبارية