بغداد_حوراء هادي
في كل عام، تشهد الطرق المؤدية إلى كربلاء المقدسة واحدة من أعظم المسيرات البشرية في التاريخ المعاصر، حيث يخرج الملايين من الزائرين، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساء، من داخل العراق وخارجه، سيرًا على الأقدام نحو مرقد الإمام الحسين (ع) إحياءً لذكرى الأربعين هذا المشهد المهيب ليس مجرد طقس ديني فحسب، بل هو تعبير عن حبٍ وإخلاصٍ وإيمانٍ عميق متجذر في قلوب المؤمنين. ولكن، لماذا يختار هؤلاء السير على الأقدام؟ وما الذي يجعل هذه الزيارة مميزة إلى هذا الحد؟
أولاً: السير على الأقدام تعبير عن الولاء والتضحية
المسير نحو الإمام الحسين (ع) يُجسد ولاءً لا يُضاهى، فكما ضحّى الحسين بنفسه وعياله وأصحابه في سبيل الحق، فإن محبيه يختارون المشقة والتعب تعبيرًا عن تمسكهم بخط الحسين ومبادئه فالسير الطويل، مع ما فيه من ألم وعناء، هو شهادة حب ووفاء تُترجم بالأقدام قبل الألسن.
ثانيًا: رمزية الزيارة في أربعينية الحسين (ع)
زيارة الأربعين لها خصوصية فريدة، فهي من علامات المؤمن كما ورد في الأحاديث الشريفة، ومنها حديث الإمام الحسن العسكري (ع): “علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم” وهذا يُظهر أهمية هذه الزيارة في بناء الهوية الإيمانية والروحية للإنسان الشيعي.
ثالثًا: كرامة الزائر ومكانته
الزائر الحسيني يحظى بمكانة عظيمة عند الله، فقد ورد في الروايات الشريفة أن الإمام الصادق (ع) قال: “من أتى قبر الحسين (ع) ماشياً، كتب الله له بكل خطوة حسنة، ومحا عنه سيئة، ورفع له درجة” هذا الفضل العظيم يوضح مدى الكرامة التي ينالها الزائر، ويمنح لخطواته المليئة بالتعب معنى ساميًا في ميزان الآخرة.
رابعًا: مدرسة أخلاقية وروحية
المسير إلى كربلاء ليس فقط عبادة، بل هو مدرسة يتعلّم فيها الإنسان دروس الصبر، والعطاء، والتواضع، والتعاون. في الطريق، يُشاهد الزائر أروع صور الكرم الحسيني، حيث يفتح الناس بيوتهم ومواكبهم لخدمة الزوار دون مقابل، في تجسيد حيّ لقيم أهل البيت (ع) من الكرم والإيثار هذه التجربة تصقل النفس وتُطهّر الروح وتزرع في القلب الإحساس بالأخوّة الإنسانية.
خامسًا: وحدة الأمة وكسر الحواجز
هذه المسيرة العظيمة تجمع الناس من مختلف القوميات والجنسيات واللغات، تحت راية واحدة، راية “يا حسين” تذوب الفوارق الطبقية والاجتماعية، ويصبح الجميع إخوة في درب الحسين، يسيرون بقلوب متشابهة نحو هدف واحد، وهو نُصرة المظلوم وتجديد العهد مع صاحب الثورة الإصلاحية الكبرى.
إن السير على الأقدام في أربعينية الإمام الحسين (ع) ليس مجرّد تقليد، بل هو فعل إيماني، وموقف ثقافي، وتجربة روحية، وتعبير عملي عن الارتباط بالحق والعدل وفي كل خطوة تُقطع نحو كربلاء، هناك معنى، وهناك نية، وهناك عشق لا ينطفئ. فسلامٌ على الحسين، وعلى من سار في دربه، ورفع رايته، وسلك طريقه في زمن اختلطت فيه المبادئ بالمصالح.
#لبيك_يا_حسين