في بلاد الرافدين، حيثُ كانت الأنهار تُغنّي، والماء يُسقى مجاناً لكل عابر سبيل، أصبحت قطرة الماء اليوم من الكماليات، وصار البحث عن ماءٍ صالح للشرب يشبه البحث عن الحقيقة في تصريحات المسؤولين… نادر، مكلف، وغالباً ما ينتهي بالإحباط.
الحكومة العراقية التي تدّعي "حكمة السنين"، عجزت حتى عن إيصال الماء إلى بيوت الناس. رغم وجود دجلة والفرات، ورغم الأمطار الموسمية والآبار والأنهار الجانبية، إلا أن المواطن العراقي يستيقظ كل صباح ليكتشف أن "الحكومة قطعت الماي"، وكأن الماء أصبح مادة محرّمة لا تُصرف إلا بموافقة سياسية أو قرار حزبي.
وزارة الموارد المائية تحولت إلى "وزارة النوايا الطيبة"، تكثر من المؤتمرات وتقلل من الإنجازات، تشرح للناس أسباب الجفاف بلغة علمية معقدة، ثم تطلب منهم الصبر وكأنهم في اختبار إيماني، أما مشاريع تحلية المياه، فوجودها في التصريحات أكثر من الواقع، تُعرض في الإعلام ولا تُرى على الأرض.
أما الجنوب، فهو يعيش فصلاً درامياً من مسلسل الماء المالح، فالبصرة مثلاً، تحوّلت إلى نسخة رديئة من البحر الميت، حيث الملوحة تُنافس البحر، والمواطن يُجبر على شراء الماء من "صهاريج الرحمة"، التي يبيعها التجار بسعر الذهب، بينما الحكومة تتفرج وتصدر بياناً جديداً عن "خطة شاملة قيد الدراسة منذ 2005".
وفي كل مرة تنفجر فيها أزمة ماء، يتحفنا مسؤول بصور من سدود تركيا وإيران، مرفقة بتنهيدة وطنية، ليقنعنا أن الأزمة مؤامرة كونية، ويطلب منا أن "نغسل مرة واحدة في اليوم" حفاظاً على الأمن المائي الوطني.
في العراق، لا يكفي أن تصلي من أجل المطر، عليك أن تصلي أيضاً ليتذكر أحدهم أن هناك وزارة مسؤولة عن الماء، وربما – على سبيل المعجزة – أن تُستبدل الخطط الورقية بأنابيب حقيقية… وإلى ذلك الحين، يبقى المواطن يردد: "الماء موجود… بس ما يوصل".