بقلم: د. مصطفى محمد جواد الخاقاني
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في العراق، تتجه الأنظار نحو العاصمة بغداد بوصفها قلب المعادلة السياسية، ومحور التنافس الأبرز بين القوى الشيعية والسنية، وسط متغيرات حاسمة أبرزها غياب التيار الصدري عن السباق، وصعود لافت للأحزاب السنية التي تسعى لاختراق الخريطة السياسية في مناطق لم تكن تاريخيا ضمن مناطق نفوذها، وعلى رأسها بغداد.
فمنذ إعلان التيار الصدري مقاطعته للعملية السياسية والانتخابية، بات المشهد مهيئا لإعادة توزيع الحصص داخل البيت الشيعي، حيث يتنافس “الإطار التنسيقي” وأجنحته السياسية لتعويض الفراغ، وسط خشية واضحة من أن يؤدي غياب التيار إلى تآكل الحصة الشيعية في بعض الدوائر الانتخابية، لاسيما تلك التي تشهد اختراقا سنيا متسارعا.
غياب التيار… وارتباك التوازن
التيار الصدري كان يحتل سابقا مواقع متقدمة في محافظة بغداد، إذ ساهمت شعبيته الواسعة، خصوصا في المناطق الشعبية كالمدائن والشعلة ومدينة الصدر، في ترجيح الكفة لصالح الطيف الشيعي، غير أن غيابه هذه المرة يفتح الباب أمام الأحزاب الأخرى، بما فيها القوى السنية، لإعادة ترتيب المشهد وملء الفراغ.
الإطار في مهمة “تعويض” و”صمود”
في مقابل ذلك، تبدو أحزاب الإطار التنسيقي أمام مهمة مزدوجة: الحفاظ على تماسك البيت الشيعي، واحتواء أي انزياح في المزاج الشعبي لصالح القوى المنافسة. فبينما تسعى شخصيات مقربة من الإطار إلى حصد أصوات التيار الصدري “اليتيمة”، يواجه الإطار تحديا أكبر في كيفية إقناع الشارع البغدادي بقدرته على تقديم مشروع حقيقي بعد تجربة حكومية لا تزال قيد التقييم الشعبي.
صعود سني متحفز… وبغداد في المتناول
المفارقة التي تثير الجدل في انتخابات هذه الدورة، هي إعلان معظم القوى السنية مشاركتها بمرشحين في دوائر بغداد، وهو ما يعد تحركا استراتيجيا غير مسبوق. الأحزاب السنية، مستفيدة من الانقسام الشيعي، ترى أن غياب التيار يمثل فرصة ذهبية لتعزيز تمثيلها في بغداد، مستندة إلى فئة الناخبين من سكان المناطق المختلطة، أو حتى السُنة الذين يسكنون العاصمة.
التوسع السني في بغداد، إن حدث، لن يكون مجرد إضافة رقمية في المقاعد، بل سيفتح بابا جديدا أمام تحول سياسي شامل، يعيد رسم ملامح “الكتلة الأكبر” وربما يفرض نوعا جديدا من التحالفات العابرة للطوائف.
هل يخسر الشيعة بوابة بغداد؟
رغم أن الأحزاب الشيعية ما تزال تمتلك قاعدة جماهيرية عريضة في بغداد، فإن الانقسامات الداخلية، وغياب الصوت الصدري، قد تؤدي إلى تشتت الأصوات وبالتالي خسارة بعض الدوائر لصالح منافسين أكثر تنظيما. هذا السيناريو لا يعني سقوط الهيمنة الشيعية تماما، لكنه ينذر بخلخلة “توازن العاصمة”، وتراجع تمثيل القوى التقليدية أمام صعود قوى جديدة.
ختاما…
ما يجري اليوم ليس مجرد تنافس انتخابي، بل إعادة رسم لحدود النفوذ السياسي في العراق. وبغداد، التي كانت دائما ساحة للاحتدام بين التيارات الشيعية، قد تصبح هذه المرة نقطة انطلاق لزحف سني غير تقليدي، يقلب الموازين في ظل غياب التيار الصدري. إنها معركة التمثيل والفراغ… والمستقبل فيها مرهون بصوت الناخب ووعي الشارع.