تقرير:محمود هادي
في الوقت الذي كانت تُبشّر فيه المؤشرات بتحقيق نهوض زراعي واعد في العراق، بعد إعلان وزارة الزراعة تحقيق الاكتفاء الذاتي من محصول القمح لعام 2024 بإنتاج تجاوز 6.3 ملايين طن، فوجئ العراقيون – وبخاصة الفلاحون – بإجراءات حكومية تعاكس هذا الإنجاز وتُهدد بتقويضه.
العراق، البلد المعروف بخصوبة أراضيه ومناخه الزراعي الملائم، لطالما كان مؤهلًا ليكون سلة غذاء للمنطقة، بل وللدخول بقوة في سوق تصدير الحبوب عالميًا. إلا أن ما جرى خلال الموسم الزراعي الأخير أظهر عكس ما يُفترض أن يكون عليه مسار الدعم الحكومي للقطاع الزراعي.
ففي بداية الموسم، امتنعت وزارة الزراعة عن استلام محصول القمح من الفلاحين، باستثناء كميات محدودة جدًا. هذا القرار أثار موجة من الاحتجاجات والمظاهرات التي استمرت لأيام، قبل أن تتدخل وزارة التجارة وتعلن موافقتها على استلام المحاصيل. ولكن، بعد فوات الأوان، إذ كان الموسم الزراعي قد انطلق، ما تسبب بخسائر للفلاحين وإرباك في الدورة الزراعية.
ولم تقف المعاناة عند هذا الحد؛ فقد شكا العديد من المزارعين من نقل عمليات الاستلام إلى محافظات بعيدة عن مواقع الإنتاج، ما حمّلهم تكاليف باهظة وأعباء إضافية، بدلًا من تيسير عملية التسويق وتشجيعهم على الاستمرار.
يرى مراقبون أن هذه السياسات لا تقع ضمن إطار العجز أو الإهمال العابر، بل تُشبه أساليب “الحرب الناعمة” التي تستهدف إنهاك القطاع الزراعي ودفع العاملين فيه إلى ترك أراضيهم، وتحويل الرقعة الزراعية إلى أراضٍ مهجورة، وسط غياب أي استراتيجية واضحة لإنقاذ الزراعة العراقية.
الخشية الأكبر اليوم أن تتحول هذه المؤشرات إلى أزمة مستدامة، تهدد الأمن الغذائي وتدفع بمزيد من العوائل الزراعية إلى الفقر والتهميش، في وقت يُشكّل فيه العاملون بالزراعة ما يقرب من 75% من الشعب العراقي.
إنقاذ الزراعة العراقية لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية وأمنية. وعلى الحكومة أن تُراجع سياساتها وتعيد ترتيب أولوياتها، قبل أن تتحول ثروة العراق الزراعية إلى مجرد تاريخ في كتب الجغرافيا.