كتب: المحرر السياسي
على وقع استحقاقٍ انتخابيٍّ مفصلي، تتشابكُ التحالفاتُ وتتموضعُ القوى، في سباقٍ محمومٍ نحو المقاعدِ البرلمانية، حيثُ تتحددُ معالمُ المشهدِ السياسيّ المقبل. القوى الكبرى تُعيدُ ترتيبَ أوراقِها، وتَطرحُ رؤاها، فيما الناخبُ العراقيُّ ينتظرُ الوضوحَ في البرامجِ والخيارات.
وعلى خطِّ التحالفات، تتباينُ الحسابات، فبعضُ القوى اختارت التماسكَ ضمن تكتلاتٍ كبرى، وأخرى فضّلت المناورةَ بقوائمَ منفردةٍ، في محاولةٍ لحصدِ أقصى ما يمكنُ من مقاعدَ قبلَ العودةِ إلى طاولةِ التفاهمات. أمّا المستقلّونَ، فهم الرقمُ الصعبُ في معادلةِ التحالفات، ومواقفُهم ستُحددُ موازينَ القوى داخلَ البرلمانِ المقبل.
وفيما تتجهُ الأنظارُ نحوَ تشرينِ الثاني، حيثُ يُنتظرُ أن يُفتحَ الصندوقُ الانتخابيّ على كلِّ الاحتمالات، فإنَّ العراقيينَ أمامَ مفترقِ طريق سياسيّ، فإما تكريسُ نهجٍ جديدٍ يعكسُ إرادةَ الناخب، أو إعادةُ إنتاجِ ذاتِ التفاهماتِ التي حكمتِ المشهدَ منذُ سنوات.
الطريقُ إلى الانتخاباتِ مليءٌ بالتحديات، لكنَّ الأكيدَ أنَّ إرادةَ الناسِ هي الحَكَم، وعلى القوى السياسيةِ أن تُدركَ أنَّ المستقبلَ لن يكونَ رهنا بالحساباتِ الضيّقةِ والمناوراتِ المؤقتة، بل بما ستقدّمُهُ للناسِ من رؤى وبرامجَ تُعيدُ للدولةِ هيبتَها وللشعبِ حقوقَه.
القوائم المنفردة: الحفاظ على الهوية السياسية
رغم الإغراءات التي قد توفرها التحالفات الانتخابية من حيث جمع الأصوات وضمان عدد أكبر من المقاعد، إلا أن بعض الكتل السياسية تفضل خوض الانتخابات منفردة للحفاظ على هويتها وبرامجها السياسية. ومن أبرز هذه القوى:
• ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي، الذي يسعى إلى تعزيز حضوره من خلال خطابه السياسي المحافظ واستقطاب الناخبين المتمسكين بنهج الدولة المركزية القوية.
• تيار الحكمة الوطني بزعامة عمار الحكيم، الذي يركز على استقطاب الفئات الوسطى والنخب السياسية والاجتماعية.
• حركة عصائب أهل الحق برئاسة قيس الخزعلي، والتي تراهن على قاعدتها الشعبية القوية في مناطق الجنوب والعاصمة بغداد.
• المجلس الأعلى الإسلامي بقيادة همام حمودي، الذي يحاول استعادة نفوذه عبر التركيز على القضايا العقائدية والاجتماعية.
• تحالفات محلية جديدة، مثل التيار الشيخي بقيادة عامر الفايز، والذي يمتلك نفوذًا في مناطق مثل البصرة وكربلاء وديالى، ويسعى إلى تشكيل كتلة انتخابية مستقلة تعبّر عن مصالح جمهوره الخاص.
التحالفات المجتمعة: مقاربة براغماتية لتحقيق المكاسب
في المقابل، تدرك بعض القوى أن الدخول في تحالفات انتخابية قد يضمن لها نفوذا أكبر في المشهد السياسي، مما يدفعها إلى تشكيل قوائم مشتركة تجمع بين أحزاب وتيارات مختلفة. ومن أبرز هذه التحالفات المتوقعة:
• تحالف “الفراتين” الذي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، حيث يُتوقع أن يضم هذا التحالف كلا من منظمة بدر بزعامة هادي العامري، ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، إضافة إلى قوى أخرى مثل كتائب سيد الشهداء وحركة أنصار الله الأوفياء.
• هناك حديث عن احتمال انضمام رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي إلى هذا التحالف، مما قد يمنحه زخما سياسيا اضافيا، خاصة في ظل خبرته الإدارية وشعبيته في بعض الأوساط.
- من جانبه يسعى حزب اقتدار وطن بقيادة الوزير الاسبق عبد الحسين عبطان الى اثبات الجدارة بالدخول بقوة في هذّه الانتخابات المهمة.
• لا تزال مسألة مشاركة كتائب الإمام علي وبعض الفصائل السياسية والعسكرية الأخرى قيد البحث، وسط مساعٍ للوصول إلى صيغة توافقية تضمن الحد الأدنى من التنسيق بين مختلف المكونات.
التحديات الداخلية وإعادة تشكيل التحالفات بعد الانتخابات
على الرغم من تباين الخيارات بين دخول الانتخابات منفردا أو ضمن تحالفات، فإن معظم القوى السياسية تدرك أن النتائج النهائية ستفرض واقعًا جديدًا قد يستدعي إعادة ترتيب الأوراق. فالتحالفات الانتخابية لا تعني بالضرورة استمرار التكتلات بعد إعلان النتائج، إذ شهدت التجارب السابقة تفكك العديد من التحالفات بمجرد انتهاء الانتخابات، ليبدأ بعدها سباق جديد نحو تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، التي سيكون لها الدور الحاسم في اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة.
كما يبرز تحدي آخر يتمثل في آلية التصويت واعتماد البطاقة البايومترية، حيث تدور نقاشات حول مدى تأثير هذه الإجراءات على توزيع الأصوات، وما إذا كانت ستحد من قدرة بعض الكتل على استقطاب الناخبين.
في ظل التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمر بها العراق، يبدو أن التحالفات الانتخابية ستظل متغيرة حتى اللحظات الأخيرة قبل موعد الاقتراع. فبين من يختار خوض الانتخابات منفردا حفاظا على هويته السياسية، ومن يسعى إلى تشكيل تحالفات لضمان تأثير أكبر، يبقى الهدف الأساسي لكل القوى هو تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاستحواذ على مواقع النفوذ في الحكومة المقبلة. ويبقى السؤال مفتوحا: هل ستنجح هذه القوى في تقديم نموذج سياسي أكثر استقرارا، أم أن الانتخابات المقبلة ستعيد إنتاج الأزمات والتجاذبات التي شهدتها الدورات السابقة؟